أحمد بن محمد المقري التلمساني

121

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

التي تديل من النعيم البأساء ، ولزوم المنافسة التي تعادي الأشراف والرؤساء ؟ ألترتّب العتب على التقصير في الكتب ، وضغينة جار الجنب ، وولوع الصديق بإحصاء الذنب ؟ ألنسبة وقائع الدولة إليك وأنت بريء ، وتطويقك الموبقات وأنت منها عري ؟ ألاستهدافك للمضار التي تنتجها غيرة الفروج ، والأحقاد التي تضبطها ركبة السروج ، وسرحة المروج ، ونجوم السماء ذات البروج ؟ ألتقليدك التقصير فيما ضاقت عنه طاقتك ، وصحت إليه فاقتك « 1 » ، من حاجة لا يقتضي قضاءها الوجود ، ولا يكفيها الركوع للملك والسجود ؟ ألقطع الزمان بين سلطان يعبد ، وسهام للغيوب تكبد ، وعجاجة « 2 » شرّ تلبّد ، وأقبوحة تخلّد وتؤبّد ؟ ألوزير يصانع ويدارى ، وذي حجّة صحيحة يجادل في مرضاة السلطان ويمارى ، وعورة لا توارى ؟ ألمباكرة كلّ قرن حاسد ، وعدوّ مستأسد ، وسوق للإنصاف والشفقة كاسد ، وحال فاسد ؟ ألوفود تتزاحم بسدّتك مكلفة لك غير ما في طوقك ، فإن لم يقع الإسعاف قلبت عليك السماء من فوقك ؟ ألجلساء ببابك ، لا يقطعون زمان رجوعك وإيابك ؟ إلّا بقبيح اغتيابك ، فالتصرّفات تمقت ، والقواطع توقت ، والألاقي « 3 » تبثّ ، والسعايات تحثّ ، والمساجد يشتكى في حلقها البثّ ، يعتقدون أنّ السلطان في يدك بمنزلة الحمار المدبور ، واليتيم المحجور ، والأسير المأمور ، ليس له شهوة ولا غضب ، ولا أمل في الملك ولا أرب ، ولا موجدة « 4 » لأحد كامنة ، وللشرّ ضامنة ، وليس في نفسه عن رأي نفرة ، ولا بإزاء ما لا يقبله نزوة ولا طفرة ، إنما هو جارحة لصيدك ، وعان في قيدك ، وآلة لتصرف كيدك ، وأنك علّة حيفه ، ومسلّط سيفه : الشّرار يسملون عيون الناس باسمك ، ثم يمزقون بالغيبة مزق جسمك ، قد تنخّلهم الوجود أخبث ما فيه ، واختارهم السفيه فالسفيه ، إذ الخير يستره اللّه تعالى عن الدول ويخفيه ، ويقنعه بالقليل فيكفيه ، فهم يمتاحون بك ويولونك الملامة ، ويفتحون عليك القول ويسدّون طرق السلامة ، وليس لك في أثناء هذه إلّا ما لا يعوزك مع ارتفاعه ، ولا يفوتك مع انقشاعه ، وذهاب صداعه ، من غذاء يشبع ، وثوب يقنع ، وفراش ينيم ، وخديم يقعد ويقيم ، وما الفائدة في فرش تحتها جمر الغضا ، ومال من ورائه سوء القضا ، وجاه يحلق عليه سيف منتضى ؟ وإذا بلغت النفس إلى الالتذاذ بما لا تملك ، واللجاج حول المسقط الذي تعلم أنها فيه تهلك ، فكيف تنسب إلى نبل ، أو تسير من السعادة في سبل ؟ وإن وجدت في الجلوس « 5 » بمجلس التحية ، بعض الأريحية ، فليت شعري أي شيء زادها ، أو معنى أفادها ؟ إلّا مباكرة وجه الحاسد ، وذي القلب الفاسد ، ومواجهة العدوّ

--> ( 1 ) الفاقة : الجوع والفقر . ( 2 ) العجاجة : واحدة العجاج ، الغبار . ( 3 ) الألاقي : الشدائد . واحدها ألقية . ( 4 ) الموجدة : الغضب . ( 5 ) في ب « القعود بمجلس » .